22 جُمادى الثانية , 1438 A.H. February 19th, 2017

إيران التي لا نعرفها

الجمهورية الإسلامية الإيرانية

إيران اليوم – وصلت إيران إلى خط النهاية في درب آلام العقوبات النووية. كان قاسيا دون شك، لكن قسوته مرّست بلدا بثروات طبيعية وبشرية جيدة على الاستفادة من الموارد بالحد الأقصى من دون الاضطرار إلى الصبر على الحصار بالقبول بالحد الأدنى من المسموح به من قبل من يفرضون الحظر.

للقادم من خلف جبال البرز لا تظهر طهران. هي مجموعة جبال تشبه الحضن وفي قلبها تجلس العاصمة الإيرانية. وكما أن الجبال تخفي ما في حضنها فإن إيران للناظر من بعيد ليست كما هي لمن يأتي إليها، لذا فالصورة المتخيلة لمن يفرض العقوبات بأن الجوع يأكل الإيرانيين من شدة الفقر وأنهم لن يبرحوا المكان العلمي والطبي والثقافي الذي كانوا عليه، لا يوم بدأت العقوبات، إنما يوم رحل الشاه في العام 1979.

المنطق ربما يقول إن الصورة المتخيلة هي أقرب إلى الواقع، لكن بلدا كإيران أثبت خلال ما يقارب الأربعة عقود على الثورة الإسلامية فيه أن له منطقاً لا يشبه غيره في المنطقة والعالم. خاضت إيران حربا عسكرية لمدة ثماني سنوات بدأت بالتوازي مع ثورة غيّرت نظام حكم عمره في السلالة البهلوية فقط أربعة وخمسون عاما، وعمره في بلاد فارس آلاف السنوات، ومع ذلك فهي تمكنت من الخروج من الحرب والبدء بعملية بناء اقتصادي جعلها قادرة في التسعينات على تطوير صناعة السيارات والبتروكيماويات والأسلحة وتعزيز الصناعات التقليدية والنهوض بقطاع الغاز والنفط، ومربط الخيل البرنامج النووي الذي أصبح لاحقا محل قلق للغرب ولخصوم إيران في المنطقة وأدى إلى فرض العقوبات السالفة الذكر عليها.

كانت العقوبات وسيلة للضغط على إيران التي نظرت إليها الولايات المتحدة على أنها خصم إقليمي مزعج لاسيما وأن الإيرانيين لم يتركوا شيئا يزعج الأميركيين إلا وفعلوه. كان الهدف الأساسي تكبيل هذه الدولة وتدجينها لتصبح في أفضل الأحوال دولة هامشية لا تقدّم ولا تؤّخر في المنطقة، وفي أحسنها دولة ضمن المحور الأقرب إلى واشنطن. الواقع أن الإيرانيين في عملية مواجهة هذه الموجة عملوا على خطين، واحد سياسي عسكري داخلي خارجي، والآخر تنموي بشري داخلي. على الصعيد السياسي العسكري تمدد النفوذ الإيراني مع الوقت ليتخطى الحدود القديمة التي كان يلعب داخلها، لم يعد مؤثرا في بيروت وغزة فحسب، وصل إلى دمشق وبغداد وصنعاء وأضحى صاحب قول فصل على طاولة مفاوضات الإقليم. لكن ذلك ليس المهم.

المهم هو الخط التنموي البشري الداخلي الذي صعد بإيران إلى مستوى الدول المتقدمة على صعيد البحث العلمي متوجا إياها في العام 2011 الدولة الأولى في العالم في النمو العلمي كما أن نسبة المتعلمين في هذا البلد لمن يبلغ عمرهم بين 15 و 24 عاما من ذكور وإناث فهي بحسب اليونيسف تفوق 98%، هنا لا بد من الإشارة إلى أن التعليم لكل المراحل بما في ذلك الجامعية هو مجاني في إيران، وبما أننا نتحدث عن الجامعات فالشيء بالشيء يذكر، جامعتا طهران وشريف الإيرانيتين صنفتا من بين أفضل 500 جامعة في العالم، بينما صنفت ست جامعات أخرى بين أفضل ألف. على الصعيد الصحي، تصف اليونيسيف العناية الطبية في إيران بأنها ممتازة كونها متوفرة حتى في المناطق النائية وللجميع، كما أن مركز شيراز لزراعة الكبد هو من الأفضل في العالم في هذا الاختصاص كما أن أبحاث الخلايا الجذعية متطورة بشكل كبير، أضف إلى ذلك مشروعها الفضائي الذي جعلها واحدة من عشر دول ترسل أقمارها الصناعية بنفسها إلى الفضاء من دون حاجة إلى الاستعانة بدول أخرى.

هذه هي إيران التي لا نعرفها، أو ربما التي لا نريد أن نعرفها كما هي. هكذا حولت التحدي إلى فرصة، وهذا الخط التنموي البشري هو ثروة إيران الحقيقية، بغض النظر عن كل الثروات والقدرات الاقتصادية والصناعية والسياسية والعسكرية الأخرى. فمن يستطع أن يتقدم في كل هذه القطاعات وأن يمنع العقوبات من التأثير على خطه البياني التصاعدي هو لا شك قادر في ظل البحبوحة أن يفعل أكثر، لكنه أيضا يحتاج إلى فتح قنوات تواصل أكبر مع محيطه الذي يعيش حالة الـ “إيران فوبيا” ويحاول تكريسها لدى الجميع، ربما يصح في ظل الواقع الإقليمي المرير أن تكون دبلوماسية التنمية والتطوير بابا من أبواب إعادة وصل ما انقطع مع الآخرين.

المصدر: الميادين

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial
Facebook
Facebook
SOCIALICON