4 ذو القِعْدة , 1438 A.H. July 27th, 2017

إيران والخروج من سوريا

إيران وسوريا

إيران اليوم – إيهاب زكي ( بيروت برس ) :

إنّ أسهل الطرق لإنهاء الحروب هي الانسحاب، وعلى الطرف المنسحب أن يطبّع نفسه للتعايش مع آثار الاستسلام، ولكن في معارك المصير هذا ليس خياراً قابلاً للطرح أو النقاش، فالاستسلام كان مطروحاً على سوريا قبل بدء حربها وبعد فشل محاولات احتوائها، وفي القلب من هذا الطرح كان التخلي عن علاقتها بإيران.

فالعلاقات السورية الإيرانية من المجحف مقاربتها من زوايا مصلحية سياسية واقتصادية فقط، وذلك أسوةً بعلاقات الأطراف الدولية بعضها البعض، فهناك مبادئ ثابتة لدى البلدين تجعل الحلف أسمى من مجرد مصالح، وعلى رأس تلك المبادئ والثوابت هو العداء لـ”إسرائيل”، بغض النظر عن منطلقات العداء عقائديةً كانت أو وطنية قومية أو كلاهما، وهذا العداء طالما بقي قائماً فإنه يوفر رابطاً مصيرياً لهذا التحالف، ويجعله حلفاً متقدماً على غيره من التحالفات ذات الطبيعة المصلحية الدائمة أو المؤقتة، وهو غير قابل للتصدع طالما بقيت بوصلة العداء موحدة.

لا نحتاج للتنويه بأنّ النفط يعيش في مستنقع التبعية ومياه التطبيع الآسنة مع العدو الصهيوني، لذلك فهو ضليعٌ في التصيد بالمياه العكرة، ولا يترك شاردةً أو واردة من إيران وفيها إلا أحصاها، ويتم تضخيمها أو تقزيمها حسب ما تقتضيه الحاجة الأمريكية أو “الإسرائيلية” أحدهما أو كلاهما، كما أن هذا يعتبر جزءًا لا يتجزأ من العدوان على سوريا، فهو يدخل في إطار الحرب النفسية، والمحاولات الدؤوبة لبث الفتنة وروح الوهن، فالتشكيك الدائم يؤدي إلى نزع الثقة وزرع التربص، وكثيرة هي الأمثلة التي مارس فيها النفط هذا النوع من الاستخفاف بعقول متابعيه، حيث يتم الإيحاء لهم بقرب تحقيق المأمول، قبل أن يتحول إلى مجرد أوهام تذهب أدراج الرياح، لكنهم لا يعدمون الوسيلة في اجتراح أوهامٍ جديدة، تبقي على الحبل السري بينهم وبين المشاهد، وهذه القدرة هي أحد عوامل استمرارهم، وآخر تلك الاجتراحات، هو مقال لباحثٍ إيراني تعامل معه النفط باعتباره شخصاً يتحدث بلسان الدولة الإيرانية، وتعامل مع المقال باعتباره وثيقة عمل معتمدة رسمياً للسياسة الإيرانية.

ففي مقال منشورٍ له على موقع دبلوماسي إيراني الالكتروني، كتب رئيس الشؤون الاستراتيجية في معهد الدراسات السياسية والدولية مصطفى ترك زهراني “أن بلاده لا تملك استراتيجة للخروج من سوريا”، وأضاف “اعتقدنا أن الحرب ستكون قصيرة في سوريا، وأن العدو ضعيف، وأن بإمكاننا إنهاء الأمر بسرعة”، كما قال “أن الروس يملكون استراتيجية الخروج من الحرب، فدورهم اقتصر على التغطية الجوية”، واعتبر أن”الرئيس الأسد أدار ظهره لإيران”، وهذه العبارة الأخيرة وتركيز النفط عليها في محاولة زرع الشقاق، تبرهن على أن النفط غبياً بما يكفي حد عدم اتقانه القاعدة الشهيرة “إن كنت كذوباً فكن ذَكوراً”. فالنفط على مدى سنيّ العدوان، رسَّخ قاعدةً أصبحت أثيرة على قلب جماهيره، مفادها أن القرار في سوريا هو لإيران باعتبارها دولة احتلال، وما الأسد إلا واجهة لا يملك لنفسه ضراً أو نفعاً، وما أشاعه النفط وما زال عن تهجير ثم توطين وبالتالي تغيير ديمغرافي لصالح إيران بـ”مذهبها”، وبعيداً عن “هرتلة” النفط وإعلامه. فإنّ ما جاء في مقالة الباحث الإيراني من الممكن وضعه في إطار الاجتهاد الشخصي، أو في إطار البحث الأكاديمي والتباحث الفكري الداخلي، ومن الممكن اعتباره ورقة انتخابية بحكم اقتراب الانتخابات الرئاسية، ولكني سأكون أكثر تطرفاً وأشد حماقةً من النفط، وأعتبره سياسة إيرانية رسمية ستُنفذ غداً.

عندما تبدأ إيران عملية البحث عن استراتيجية خروج من سوريا، فهي كمن يهدي انتصاره للمهزوم، وسيصبح لزاماً عليها رفع أسوار طهران للحد الأقصى، لأن ما ستجنيه من الخروج هو المزيد من العداء الإقليمي، الذي قد يصل إلى حد الاعتداء الدولي، فخروجها من سوريا لا يعني على الإطلاق تحسين علاقاتها مع الجوار العربي والتركي، بل يعني المزيد من الضغط والمطالب للوصول إلى حد عزلها خلف مياه الخليج (الفارسي)، فغباء النفط أو تغابيه لا يدرك أن إيران في سوريا تمارس حرباً دفاعية، حيث يفترض تغابياً أن العدوان الجاري على سوريا هو “ثورة” على”نظام”، متجاهلاً حقيقة كونها حربًا على مشروع تحرري من الهيمنة الأمريكية، ودفاعًا عن النفس في وجه العدوان “الإسرائيلي”.

ولكن على الوجه الآخر، قد تُقرأ مقالة الباحث الإيراني على قاعدة “لن نخرج ما دام-المعتدين- فيها”، فـ”صحيح” أننا لا نملك استراتيجية خروج لكننا نملك استراتيجية بقاء، وتعظيماً لاستحالة الخروج، فإنه في أسوأ الأحوال-أي إدارة الظهر لنا- فليس يدور في خلدنا خروج قبل ضمان الانتصار وقطف الثمار، فيكفي أن تكون دمشق بخير حتى تكون طهران بخير، وفي النهاية لا يمكن إدراك نوايا الباحث الإيراني إن كان لديه نوايا، أو أنه مجرد عصف فكري، ولكن هناك ثلاثة أضلاعٍ ثابتة في العلاقات السورية الإيرانية تضمن وثاقيتها وميثاقيتها، الدولة السورية والدولة الإيرانية بإدارتيهما الحاليتين والكيان الصهيوني مع أي إدارة، فما يجمع إيران وسوريا من عداءٍ مستحكم مع “إسرائيل”، هو الضامن الأكبر لتوطيد علاقتهما، وسيصبح البحث وجيهاً فقط في حال زوال أحد الأنظمة الثلاثة، وبما أن الأرجح هو زوال “إسرائيل” “دولةً ونظاماً”، فإن على المنتظرين تعكير العلاقات السورية الإيرانية، أن يعملوا على إزالة “إسرائيل”، فهي الطريق المثلى لدق الأسافين بين الدولتين.

*المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا يعكس بأي شكل وجهة نظر لـ “إيران اليوم“.

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial
Facebook
Facebook
SOCIALICON