2 رَجَب , 1438 A.H. March 30th, 2017

الشح المائي وتهديد خطة 2030 في السعودية

شح المياه

خاص إيران اليوم – محمد بريمي:

أوضح تقرير لباحثون من المعهد العالمي للموارد المائية أن هنالك أزمة قاسية ستواجه السعودية و33 دول أخری حول العالم ( نصفها في الشرق الاوسط ) بحلول عام 2040 حيث يشتد الطلب علی المياه. وخبراء دوليون تؤکدون بأن الشرق الاوسط يعد من أکثر مناطق العالم افتقارا للأمن المائي.

على الرغم من افتقار الصحراء غالبًا للمواد الطبيعية اللازمة لازدهار الحياة، كانت السعودية الحديثة قادرة دائمًا على النمو. وكانت القوّة الدافعة لهذا النمو هي الهيدروكربونات تحت الأرض، الأمر الذي يعني أنّ انخفاض أسعار النفط تضرّ الاقتصاد السعودي، وهو ما أدّى إلى تفاقم قضايا أخرى، مثل ارتفاع عدد السكان وانتشار البطالة بين الشباب. وكانت هذه المخاوف الداخلية مصدر رعب للحكومة التي تشهد تغيّرًا في السياسة الخارجية لها في المنطقة.

وبحسب “ستراتفور” تتطلّع الحكومة السعودية من خلال تدابير التقشّف وفرض السعودة، ومحاولة توظيف المزيد من السعوديين بدلًا من المغتربين، إلى معالجة بعض من أكثر القضايا الملحة في التوظيف والإنفاق العام. وقد وضعت الرياض أيضًا أهدافًا عليا لتحقيقها خلال العقد القادم من خلال مبادرة رؤية 2030. لكنّ السؤال المطروح الآن، ما هي الأشياء التي من شأنها أن تعيق هذه الطموحات. وتحت هذه الأشياء كلها واحد من أكثر المصادر الأساسية المحدودة في السعودية، الماء.

تعد السعودية ثالث دولة في الترتيب العالمي من حيث “استهلاك المياه للفرد” بعد الولايات المتحدة وکندا، وهو يظهر أن الاستهلاك عالٍ للغاية مقارنة بعدد السکان والطبيعة الجغرافية الصحراوية للسعودية بجانب أنها ضمن النطاق الجاف التي تعتمد علی محطات التحلية کمصدر رئيس لتوفير المياه. وأن استهلاك الفرد السعودي يوميا يعادل 286 لترا حينما المعدل الاعالمي للفرد الواحد يقدر بنحو 112 لترا من المياه يوميا.

كون السعودية بلدًا تعاني من ندرة المياه، فذلك لا يشكّل مفاجأة. فالبلد الأكبر في شبه الجزيرة العربية معظمها صحراء قاحلة، مع بعض الأجزاء الأكثر رطوبة في الشرق. وفي الحقيقة لقد اعتادت المملكة أن تتعامل مع هذا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، وقد اعتادت القبائل التي سكنت المنطقة التأقلم على العيش هكذا منذ عدّة قرون. ومع ذلك، فإن الإفراط المتواصل في الاستخدام خلال النصف الثاني من القرن الأخير وتصاعد الضغوط الديموغرافية والاقتصادية خلال العقود القادمة، يدفع إمدادات المياه في السعودية إلى نقطة الانهيار.

تجبر المياه السطحية القليلة للغاية في جميع أنحاء البلاد الكتلة السكانية الكبيرة والمتزايدة للاعتماد على المياه الجوفية. وتكفي المياه فقط لتزويد كل شخص سنويًا بمقدار 76 متر مكعب من الماء، وهو قدر أقل بكثير جدًا من حد ندرة المياه المقبول عالميًا بـ 500 متر مكعب مياه للفرد سنويًا. وحتّى مع أكبر قدرة تحلية للمياه في العالم، فإنّ استهلاك السعوديين من المياه يفوق المتاح من الموارد المائية المتجدّدة لديها.

وتفيد بعض التقديرات، أنّ موارد المياه في أجزاء من البلاد تتعرض لخطر الاختفاء خلال الـ 20 عامًا القادمة. وتعدّ السياسات الزراعية التي اتّبعتها المملكة خلال الـ 50 عامًا الأخيرة سببًا رئيسيًا إلى حدٍّ كبير فيما آل إليه الوضع، والتي ضغطت على موارد البلاد المتدنية.

وجاء في تقرير حديث لمنتدی الإقتصاد العالمي بأن 90% من المياه تستهلك في الزراعة. تظهر الإحصائيات بوضوح كيف أنّ الزراعة استحوذت على غالبية استخدام المملكة من المياه. فالسعودية ما بين السبعينات والثمانينات، وعلى عكس المعروف عنها كأرض ممتدة لا نهاية لها من الصحراء والرمال والأرض الجدباء، أصبحت الدولة السادسة عالميًا في تصدير القمح. وكانت الحكومة مسؤولة عن هذه الزيادة الإنتاجية فوق أهداف الاكتفاء الذاتي وما يفيض عن قدرات التخزين في البلاد. وخلال التوسّع الزراعي، ارتفعت المساحة المروية من الأرض بنسبة 400 بالمائة خلال أقل من 20 عامًا.

ولا تزال الزراعة حتّى الآن هي المستهلك الأكبر للمياه في البلاد، مع أنّ الاستهلاك المحلي والصناعي للمياه في تزايد أيضًا. وارتفع الطلب على المياه الصناعية بمعدل 7.5 بالمائة في السنة خلال السنوات الأخيرة ومن المتوقّع أن يستمر الطلب في التزايد بمعدلات أكبر، ليصل إلى 50 بالمائة خلال 15 عامًا. وتقدر مصادر متخصصة أن الاستهلاك الزراعي للموارد المائية في السعودية يتجاوز حاجز الـ85 في المائة من مجمل أوجه الاستهلاك المائي في كافة القطاعات في البلاد.

وللمحافظة على التنمية الزراعية في المستقبل وعلى الثروة المائية في المملكة لسنوات عديدة فإنه ينبغي على وزارة المياه والكهرباء الاعتراف بالوضع الحقيقي الصحيح للمياه في المملكة العربية السعودية والتخلي عن الأحلام والأمنيات التي يطلقها مصدرو الوهم ثم إنجاز ما يأتي:

1- وضع خطة استراتيجية واضحة لاستخدامات المياه على المدى القريب والمتوسط والبعيد للأغراض المختلفة تكفل وصول الماء الصالح للشرب لكل منزل وتحافظ على التنمية الزراعية وتنمى الموارد المائية الغير تقليدية بأسلوب اقتصادي سليم.

2- تغيير مسار القطاع الزراعي على مدى السنين القادمة ليتحول من قطاع يستهلك 90 % من مجموع المياه المستهلكة إلى قطاع يستخدم المياه بفاعلية عالية ويكفي لسد احتياجات المملكة من المنتجات الزراعية.

ومع سعي الرياض لتنويع اقتصادها بعيدًا عن الاعتماد على النفط والغاز الطبيعي (وهو الأمر الذي من المتوقّع أن يتطلّب مياه أكثر كذلك)، ستستمر هذه الأرقام فقط في النمو، وخاصةً مع كون النمو الصناعي والصناعات التحويلية هي جزء أساسي من رؤية 2030. وسيكون من الضروري تنمية نسب تحلية المياه لتلبية هذه المطالب.

للمساعدة في تلبية الاستهلاك المرتفع للمياه، تسعى الرياض لتوسيع عمليات تحليل المياه الموجودة بالفعل، وكذلك إنشاء مشاريع جديدة. ولمواكبة الطلب في المناطق الحضرية، تقدر الاستثمارات المطلوبة من الحكومة بقيمة 30 مليار دولار خلال الـ 15 عامًا القادمة.

وتوجد العديد من المصانع تحت الإنشاء، ويوجد أكثر منها لا يزال قيد التخطيط. وإذا تمّ إنجاز كافة المشاريع المخطّط لها، قد تضيف نحو 3 مليون متر مكعب من المياه يوميًا إلى السعة المائية للبلاد. لكنّ الوقود المطلوب لتشغيل هذه المصانع الجديدة لإنتاج المزيد من المياه الاصطناعية من المحتمل أن يزيد معدلات الطلب المحلي على النفط، الأمر الذي يهدد استدامة صادرات الطاقة في المملكة. ومع ذلك، فإنّ العديد من هذه المصانع تحت الإنشاء، ومن بينها ما سيصبح أكبر مصنع لتحلية المياه بالطاقة الشمسية في العالم، لذا سيسهم الطلب على الطاقة من أجل تحلية المياه في ارتفاع الطلب المحلي على النفط.

ويمثّل القطاع فرصًا محتملة لزيادة توظيف المواطنين السعوديين وكذلك فرصة للتعاون مع المستثمرين. وقد تمّ فتح قطاع تحلية المياه أمام الأجانب أيضًا. فجبيل، على سبيل المثال، والتي كانت شركة مساهمة من السعوديين، استطاعت جذب تمويل كويتي وشراكة مع شركات فرنسية وأمريكية وكورية جنوبية. وكانت هناك بعض المؤشرات أنّ الرياض قد تهتم بالتعاون مع “إسرائيل”، البلد التي طوّرت تقنيات تحلية المياه وإعادة تدوير المياه لضمان أمنها المائي.

ومع ذلك، لن تقترب تحلية المياه من سد الفجوة بين الطلب والموارد المتجددة من المياه. ولحماية إمدادات المياه المتناقصة، يجب على المملكة أن تستثمر في قطاع المياه، والحدّ من نظام الهدر، وتقليل معدلات الاستهلاك الزراعي والصناعي، حيث تعتبر المملكة واحدة من أعلى معدلات استهلاك المياه للفرد الواحد في العالم.

مع الوصف؛ ستستمر ندرة الموارد المائية المحدودة في المملكة. وبالطبع لم يسقط قطاع المياه من خطّة رؤية 2030، مع عدد من الاستثمارات المخطّط لها. ومع ذلك، حتّى تتعافى أسعار النفط، فإنّ القيود المفروضة على الميزانية ستلقي الضوء فقط على القضية التي سبق وأن كانت مدفونة تحت فائض الأموال.

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial
Facebook
Facebook
SOCIALICON