30 رَبيع الأوّل , 1439 A.H. December 18th, 2017

قائد الثورة الإسلامية یوجه رسالة جدیدة لشباب الغرب

قائد الثورة السيد علي الخامنئي + رسالة

ايران اليوم :

قناة ايران اليوم الاخبارية تفتخر بإعادة نشر رسالة قائد الثورة الاسلامية السيد علي الخامنئي بمناسبة الذكری الثانية لنشرها.

وجه قائد الثورة الإسلامیة سماحة آیة الله العظمى الامام السید علی الخامنئی مثل الیوم الاحد رسالة إلى الشباب فی البلدان الغربیة و ذلک على ضوء الأحداث المریرة التی شهدتها فرنسا مؤخرا، أکد فیها أن معاناة الإنسان محزنة فی أی مکان من العالم سواء فی فرنسا أو فی فلسطین والعراق ولبنان وسوریا ، داعیا الشباب الغربیین إلى استلهام الدروس من محن الیوم و اغلاق السبل و الطرق الخاطئة التی أوصلت الغرب إلى ما هو علیه الآن .

وفیما یلی النص الکامل للرسالة التي نشرت في عام 2015 :

بسم الله الرحمن الرحیم

إلى کافة الشباب فی البلدان الغربیة

ان الأحداث المریرة التی ارتکبها الإرهاب الأعمى فی فرنسا ، دفعتنی مرة أخرى لمخاطبتکم . و یؤسفنی أن توفر مثل هذه الأحداث أرضیة الحوار ، بید أن القضایا المؤلمة ، فی الواقع ، إذا لم توفر الأرضیة للتفکیر بالحلول و لم تعط الفرصة لتبادل الأفکار ، فان الخسارة ستکون مضاعفة . فمعاناة الإنسان ، فی أیّ مکان من العالم ، محزنة بحد ذاتها لبنی البشر .

ان مشهد طفل فی حالة نزع الروح أمام أحبائه ، و أمّ تبدلت فرحة عائلتها إلى مأتم، و زوج یحمل جسد زوجته مسرعا إلى ناحیة ما، أو متفرّج لا یدری أنه سیشاهد بعد لحظات المقطع الأخیر من مسرحیة حیاته .. هذه لیست مشاهد لا تثیر العواطف و المشاعر الإنسانیة ، وکل من له نصیب من المحبة و الإنسانیة یتأثر و یتألم لمشاهدة هذه المناظر ، سواء وقعت فی فرنسا ، أو فی فلسطین و العراق و لبنان و سوریا . و لا شک أن ملیاراً و نصف الملیار من المسلمین لهم نفس الشعور ، و هم براء و مبغضون لمرتکبی هذه الفجائع و مسببیها . غیر أن القضیة هی أن آلام الیوم إذا لم تؤد إلى بناء غد أفضل و أکثر أمناً ، فسوف تختزل لتکون مجرد ذکریات مُرّة عدیمة الفائدة . إننی أؤمن أنکم أنتم الشباب وحدکم قادرون ، باستلهام الدروس من محن الیوم ، على أن تجدوا السبل الجدیدة لبناء المستقبل ، و تسدوا الطرق الخاطئة التی أوصلت الغرب إلى ما هو علیه الآن .

صحیح أن الإرهاب أصبح الیوم الهم ، و الألم المشترک بیننا و بینکم ، لکن من الضروری أن تعرفوا أن القلق و انعدام الأمن الذی جرّبتموه فی الأحداث الأخیرة یختلف اختلافین أساسیین عن الآلآم التی تحملتها شعوب العراق و الیمن و سوریا و أفغانستان طوال سنین متتالیة :

• أولا إن العالم الإسلامی کان ضحیة الإرهاب و العنف بأبعاد أوسع بکثیر، و بحجم أضخم، و لفترة أطول بکثیر

• و ثانیا إن هذا العنف کان للأسف مدعوماً على الدوام من قبل بعض القوى الکبرى بشکل مؤثر و بأسالیب متنوعة

و الیوم ، قلّ ما یوجد من لا علم له بدور الولایات المتحدة الأمریکیة فی تکوین و تقویة و تسلیح القاعدة و طالبان و امتداداتهما المشؤومة . و إلى جانب هذا الدعم المباشر ، نری حماة الإرهاب التکفیری العلنیون المعروفون کانوا دائماً فی عداد حلفاء الغرب بالرغم من أن أنظمتهم أکثر الأنظمة السیاسیة تخلفاً ، بینما تتعرض أکثر و أنصع الأفکار النابعة من الدیمقراطیات الفاعلة فی المنطقة إلى القمع بکل قسوة . و الإزدواجیة فی تعامل الغرب مع حرکة الصحوة فی العالم الإسلامی هی نموذج بلیغ للتناقض فی السیاسات الغربیة .

ان الوجه الآخر لهذا التناقض یلاحظ فی دعم إرهاب الدولة الذی ترتکبه «إسرائیل» ؛ فالشعب الفلسطینی المظلوم یعانی منذ أکثر من ستین عاماً من أسوء أنواع الإرهاب . و إذا کانت الشعوب الأوربیة الیوم تلوذ ببیوتها لعدة أیام و تتجنب التواجد فی التجمعات و الأماکن المزدحمة ، فإن العائلة الفلسطینیة لا تشعر بالأمن من آلة القتل و الهدم الصهیونیة منذ عشرات الأعوام ، حتى و هی فی بیتها . و أیّ نوع من العنف یمکن مقارنته الیوم من حیث شدة القسوة ببناء الکیان الصهیونی للمستوطنات ؟

إن هذا الکیان یدمر کل یوم بیوت الفلسطینیین و مزارعهم و بساتینهم ، دون أن یتعرض أبداً لمؤاخذة جادة مؤثرة من قبل حلفائه المتنفذین ، أو على الأقل من المنظمات الدولیة التی تدعی استقلالیتها ، و دون أن تتاح للفلسطینیین حتى فرصة نقل أثاثهم أو حصاد محاصیلهم الزراعیة . و یحصل کل هذا فی الغالب أمام الأعین المذعورة الدامعة للنساء و الأطفال الذین یشهدون ضرب و أصابة أفراد عوائلهم ، أو نقلهم فی بعض الأحیان إلى مراکز التعذیب المرعبة .

تری هل تعرفون فی عالم الیوم قسوة بهذا الحجم و الأبعاد و بهذا الاستمرار عبر الزمن ؟ واذا لم یکن إمطار سیدة بالرصاص فی وسط الشارع لمجرد الاعتراض على جندی مدجّج بالسلاح ، إرهاباً .. فماذا هو إذن ؟ و هل من الصحیح أن لا تعدّ هذه البربریة تطرفاً لأنها ترتکب من قبل قوات شرطة حکومة محتلة ؟؟ و بما أن هذه الصور تکررت على شاشات التلفزة منذ ستین سنة .. الا یجب أن تستفز ضمائرنا ؟

ان الحملات العسکریة التی تعرض لها العالم الإسلامی فی السنوات الأخیرة ، و التی تسببت فی الکثیر من الضحایا ، هی نموذج آخر لمنطق الغرب المتناقض . والبلدان التی تعرضت للهجمات ، فقدت بناها التحتیة الاقتصادیة و الصناعیة ، و تعرضت مسیرتها نحو الرقی و التنمیة إما للتوقف أو التباطؤ ، و فی بعض الأحیان تراجعت لعشرات الأعوام فضلاً عما تحملته من خسائر إنسانیة . و رغم کل هذا یطلب منهم بوقاحة أن لا یعتبروا أنفسهم مظلومین . و کیف یمکن تحویل بلد إلى أنقاض و إحراق مدنه و قراه و تحویلها إلى رماد ، ثم یقال لأهالیه لا تعتبروا أنفسکم مظلومین رجاء !؟ ألیس الأفضل الاعتذار بصدق بدل الدعوة إلى تعطیل الفهم أو نسیان الفجائع ؟

إن الألم الذی تحمله العالم الإسلامی خلال هذه الأعوام من نفاق المهاجمین و سعیهم لتنزیه ساحتهم لیس بأقل من الخسائر المادیة .

أیها الشباب الأعزاء ، إننی آمل أن تغیروا أنتم فی الحاضر أو المستقبل هذه العقلیة الملوثة بالتزییف والخداع ، العقلیة التی تمتاز بإخفاء الأهداف البعیدة و تجمیل الأغراض الخبیثة .

و أعتقد أن الخطوة الأولى فی توفیر الأمن و الاستقرار هو إصلاح هذه الأفکار المنتجة للعنف . و طالما تسود المعاییر المزدوجة على السیاسة الغربیة ، و طالما یقسّم الإرهاب فی أنظار حماته الأقویاء إلى أنواع حسنة و أخرى سیئة ، و طالما یتم ترجیح مصالح الحکومات على القیم الإنسانیة و الأخلاقیة .. لا ینبغی البحث عن جذور العنف فی أماکن أخرى .

لقد ترسّخت للأسف هذه الجذور تدریجیاً على مدى سنین طویلة فی أعماق السیاسات الثقافیة للغرب أیضاً ، و راحت تعِدّ لغزو ناعم صامت . و الکثیر من بلدان العالم تعتز بثقافاتها المحلیة الوطنیة، تلک الثقافات التی غذّت المجتمعات البشریة على نحو جید طوال مئات الأعوام محافظه علی إزدهارها و إنجابها . و العالم الإسلامی لیس استثناء لهذه الحالة .. لکن العالم الغربی استخدم فی الحقبة المعاصرة ، أدوات متطورة مصرّاً على الاستنساخ و التطبیع الثقافی فی العالم. إننی أعتبر فرض الثقافة الغربیة على سائر الشعوب ، و استصغار الثقافات المستقلة ، عنفاً صامتاً و عظیم الضرر . و یتم إذلال الثقافات الغنیة و الإسائة لأکثر جوانبها حرمة ، رغم أن الثقافة البدیلة لا تستوعب ان تکون البدیل لها على الإطلاق . وعلى سبیل المثال ، إن عنصری «الصخب» و «التحلل الأخلاقی» اللذین تحوّلا للأسف إلى مکوّنین أصلیین فی الثقافة الغربیة ، هبطا بمکانتها و مدی قبولها حتى فی موطن ظهورها .

و السؤال الآن هو : هل هو ذنبنا نحن أننا نرفض ثقافة عدوانیة متحللة بعیدة عن القیم ؟ و هل نحن مقصّرون إذا منعنا سیلاً مدمراً ینهال على شبابنا على شکل نتاجات شبه فنیة مختلفة ؟؟

إننی لا أنکر أهمیة الأواصر الثقافیة و قیمتها . و هذه الأواصر متى ما حصلت فی ظروف طبیعیة و شهدت احترام المجتمع المتلقی لها ستنتج التطور و الإزدهار والإثراء . و فی المقابل فإن الأواصر غیر المتناغمة و المفروضة ستعود فاشلة جالبة للخسائر .

ولابد أن أقول بمنتهى الأسف أن جماعات دنیئة مثل داعش هی ثمرة مثل هذه الصلات الفاشلة مع الثقافات الوافدة . فإذا کانت المشکلة عقیدیة حقاً .. لوجب مشاهدة نظیر هذه الظواهر فی العالم الإسلامی قبل عصر الاستعمار أیضاً ، فی حین أن التاریخ یشهد بخلاف ذلک .

ان التوثیقات التاریخیة الأکیدة تدلّ بوضوح کیف أن التقاء الاستعمار بفکر متطرف منبوذ نشأ فی کبد قبیلة بدویة ، زرع بذور التطرف فی هذه المنطقة .. و إلّا : کیف یمکن أن یخرج من واحدة من أکثر المدارس الدینیة أخلاقاً و إنسانیة فی العالم ، و التی تعتبر وفق  نسختها الأصلیة أن قتل إنسان واحد یعدّ بمثابة قتل الإنسانیة کلها ، کیف یمکن أن یخرج منها نفایات مثل داعش ؟

من جانب آخر ، ینبغی السؤال : لماذا ینجذب من ولد فی أوروبا و تربّی فی تلک البیئة الفکریة و الروحیة إلى هذا النوع من الجماعات ؟ و هل یمکن التصدیق بأن الأفراد ینقلبون فجأة بسفرة أو سفرتین إلى المناطق الحربیة إلى متطرفین یمطرون أبناء وطنهم بالرصاص ؟

و بالتأکید ؛ علینا أن لا ننسی تاثیرات التغذیة الثقافیة غیر السلیمة فی بیئة ملوثة و منتجة للعنف طوال سنوات عمر هولاء . ینبغی الوصول الی تحلیل شامل فی هذا الخصوص ، تحلیل یکشف النقاب عن الأدران الظاهرة و الخفیة فی المجتمع. وربما کانت الکراهیة العمیقة التی زرعت فی قلوب شرائح من المجتمعات الغربیة طوال سنوات الازدهار الصناعی و الاقتصادی ، و نتیجة حالات عدم المساواة، و ربما حالات التمییز القانونیة والبنیویة، قد أوجدت عقداً تتفجّر بین الحین و الآخر بهذه الأشکال المریضة .

على کل حال ، أنتم الذین یجب أن تتجاوزوا الصور الظاهریة لمجتمعاتکم، و تجدوا مکامن العقد و الأحقاد و تکافحوها . و ینبغی ترمیم الهوّات بدل تعمیقها . و الخطأ الکبیر فی محاربة الإرهاب هو القیام بردود الأفعال المتسرّعة التی تزید من حالات القطیعة الموجودة ، و أیة خطوة انفعالیة متسرعة و عجولة تدفع المجتمع المسلم فی أوروبا و أمریکا ، و المکوّن من ملایین الأفراد الناشطین المتحمّلین لمسؤولیاتهم ، نحو العزلة أو الخوف و الاضطراب، و تحرمهم أکثر من السابق من حقوقهم الأساسیة ، و تقصیهم عن ساحة المجتمع ، لن تعجز فقط عن حل المشکلة ؛ بل ستزید المسافات الفاصلة و تکرّس الحزازات . ان الاجراءات الشکلیة و الانفعالیة ، لن تثمر سوى تکریس الاستقطابات القائمة و فتح الطریق أمام أزمات مستقبلیة ، خصوصاً إذا شرعنت وأضفی علیها الطابع القانونی .

و وفقاً لما وصل من أنباء ، فقد سنّت فی بعض البلدان الأورو بیة مقررات تدفع المواطنین للتجسس على المسلمین . و هذه السلوکیات ظالمة، وکلنا یعلم أن الظلم یعود عکسیا شئنا أم أبینا . ثم إن المسلمین لا یستحقون هذا الجحود . و العالم الغربی یعرف المسلمین جیداً منذ قرون ؛ فیوم کان الغربیون ضیوفاً فی دار الإسلام و امتدت أعینهم إلى ثروات أصحاب الدار ، أو یوم کانوا مضیّفین و انتفعوا من أعمال المسلمین و أفکارهم ، لم یلاقوا منهم فی الغالب سوى المحبة و الصبر . و علیه ؛ فإننی أطلب منکم أیها الشباب أن ترسوا أسس تعامل صحیح و شریف مع العالم الإسلامی ، قائم على رکائز معرفة صحیحة عمیقة ، ومن منطلق الافادة من التجارب المریرة . و فی هذه الحالة ستجدون فی مستقبل غیر بعید ، أن البناء الذی شیّدتموه على هذه الأسس یمدّ ظلال الثقة و الاعتماد على رؤوس بُناته ، و یهدیهم الأمن و الطمأنینة ، و یشرق بأنوار الأمل بمستقبل زاهر على أرض المعمورة .

السید علی الخامنئي

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial
Facebook
Facebook
SOCIALICON